" أمشاج وقائع من حضرة الخيال "

المقدمة

 

          ... هي العودة إلي مستقر صورهم الثابتة ، حيث خرج هؤلاء الرجال والنساء ، في مختلف هيئاتهم وأعمارهم ، في أردانهم الجديدة والبـالية . ينسلون بتلطف في جـنح الليل حيناً ، أو تحت أضواء الفجر الأولي حيناً وحيناً آخر تحت البروق المتلاحقة في برية لم تطأها قدم من قبل . شئونهم متجددة في كل وقت ، ينطلقون فرادي أو جماعات ويتمهلون عند كل منعطف .

          نعم ، هم ذات الخارجين من صدمات عـنيـفة خلَّفت ما خـلَّفت من جراحات عميقة . رجال ونساء نبيلة أرواحهم لكنها حبيسة خلف هذه الأجساد الدامية . عيونهم يطوف عليها الشِّر وأيديهم تمسك بأعنَّة بلا خيول ! ومنهم من تعاظمت صورته حتي لتكاد تلامس إطار الصورة ومع ذلك يظل وحيداً بالرغم من تواشجه مع كل كيان وجرم صغير أو كبير في عالم الصورة .

          أحياناً يبدون كأنما هم من أبناء عصور مضت وإنمحت معالمها . حقائقهم مزدوجة وزمانهم ليس زماناً فرداً لكن أكثرهم من ساكني مدن عالمنا هذا . يتعرفون إلي بعضهم في إيماء عجلي ، أو بكلمة سر مضنون بها علي غير أهلها . تري بينهم سلاطين وأمراء وحكماء وفنانين ، ومتصوفة يعبرون سراعاً إذ تموج غياهب صدورهم بالكلام الخطير وقلائد سيوفهم غير المرئية تطل بغتة من بين طيات أردانهم العجيبة. أسئلتهم في منتهي العذوبة واللطف لكن سرعان ما يختفون ولا ينتظرون إجابة !

          ونساء في جمال مجيد تترأي صورهن علي غير موعد ، وتنفسح لهن ردهات اللون والظل والخط ، حيث تظهر دروب وتختفي دروب في أمان الخضرة الداكنة . نعم ، تحت ظلال الحروف بلغ كل رجل أشده وبلغت كل أمرأة أشدها والكل قد عرف موقع نشأته الأولي وموقع زواله في أرض ما بعد الحرف العربي . هنا يتيسر لكل كيان إختيار اللون والحجم والوشائج مع الآخرين في فضاء الصورة المستقل .

          وقد يتراءي لك في جزوع الرجال والـنساء طلع نضيد وهم يخوضون نهر الرجاءات الطويلة ... نعم ، هذه وجوه من ظلوا يوقدون قناديل حبهم لعقود وعقود في مصر الفاطمية ... وذاك طيف من ظل واقفاً لقرون علي شرفة في أشبيلة ، يراني بعين خياله ولا يزود عني الضربات أناديه بين اليأس والرجاء وأزود عن نفسي بترديد أسمه القديم .

          لقد إنحلت عُري الصّور وها أنا أسأله إلحافاً في أصائل " السلطنة الزرقاء " ، لكنه منشغل عني برمانة الوجد القديم ، يغمسها الفينة بعد الفينة في ملتقي المائين بالخرطوم .

          هو الفرح الغامر الذي تتخلق عبر دفقاته كل العطايا وكائنات الجمال في المجال التصويري ، إنه صراط الجمال .

          وبعد هذا الكتاب أمشاج ، حيث تلتقي العلامة بالصورة في مستويات متعددة ومن ثم لاتكون إلا هذه الإستجابة لفضاءات التصوير لما بعد الحرف العربي حيث الصدي ورجع الصدي ، حيث مهد الصورة الـبكرة والعلامة الـمفردة في آن واحد . بعد كل مـيلاد لحرف تتخلق صورة في مجال حيوي ، فيقع هذا الإلتحام التوحيدي علي معيار وقدرة في الخط واللون والتصميم وفي التماهي الولود الذي يسـتظل بالمنطق التصويري في هذه الأعمال .

 

 

 

 

 

 

 

 

 بروفيسور أحمد عبد العال

الخرطوم / السودان